صديق الحسيني القنوجي البخاري

43

فتح البيان في مقاصد القرآن

لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ أي لهؤلاء الذين وصفهم اللّه سبحانه بهذه القبائح الفظيعة صفة السوء من الجهل والكفر باللّه ، وقيل هو وصفهم للّه سبحانه بالصاحبة والولد ، وقيل هو حاجتهم إلى الولد ليقوم مقامهم ووأد البنات لدفع العار وخشية الإملاق ، وقيل العذاب والنار وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى هي أضداد صفة المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل والعلم الواسع أو التوحيد وإخلاص العبادة ، أو أنه خالق رازق قادر مجاز منزه عن الولد . وقيل شهادة أن لا إله إلا اللّه ، قاله قتادة . وقيل : اللّه نور السماوات والأرض مثل نوره . الآية : وقيل : ليس كمثله شيء ، قاله ابن عباس وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي لا يغالب فلا يضره نسبته إليه ما لا يليق به الْحَكِيمُ في أقواله وأفعاله . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 61 إلى 65 ] وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 61 ) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ ( 62 ) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 64 ) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 65 ) ثم لما حكى سبحانه عن القوم عظم كفرهم بين سعة كرمه وحلمه حيث لم يعاجلهم بالعقوبة فقال : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ المراد بالناس هنا الكفار أو جميع العصاة والباء للسببية ما تَرَكَ عَلَيْها أي على الأرض وإن لم تذكر فقد دل عليها ذكر الناس أو الدابة مِنْ دَابَّةٍ قط بل أهلكها بالمرة شؤم ظلم الظالمين فإن الجميع مستقرون على الأرض ، والمراد بالدابة الكافر وقيل كل ما دب . وقد قيل على هذا كيف يعم بالهلاك وفيهم من لا ذنب له ، وأجيب بأن إهلاك الظالم انتقاما منه وإهلاك غيره إن كان من أهل التكليف فلأجل توفير أجره ، وإن كان من غيرهم فبشؤم ظلم الظالمين وللّه الحكمة البالغة لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، ومثل هذا قوله وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : 25 ] . وفي معنى هذه الآية أحاديث منها ما عند مسلم وغيره من حديث ابن عمر قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا أراد اللّه بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نياتهم » « 1 » وكذلك حديث الجيش الذي يخسف بهم في البيداء ، وفي آخره

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 6 ، ومسلم في الجنة حديث 84 ، بلفظ : « ثم بعثوا على أعمالهم » .